أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

91

التوحيد

حدث به لجاز كون المجتمع متفرقا وقت كونه مجتمعا ؛ إذ ذاته قائم ، وذلك مما لا صبر للعقل عليه ، مع ما يزول به معرفة الأغيار البتة ؛ إذ لا علم عليه أدلّ من الذي ذكرت ، وفي ذلك جواز جعل الشر خيرا والظلمة نورا والحي ميتا والمتحرك ساكنا والبارد حارا ونحو ذلك من الأضداد ، وفي جواز ذلك بطلان القول بقدم التباين والاجتماع ؛ إذ كانا معا ، وفي ذلك فساد القول بالدهر ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : والأصل في ذلك أنهما عند التباين لا يعدو إما أن كانا كذلك بالطبع أو بالاختيار أو بآخر يجعلهما كذلك ، وكذلك المجتمع منه ، ثم التباين والامتزاج لا يعدوان ما ذكرنا ، فإن كانا كذلك بالطبع لوجب أن يزداد من ذلك فيما كان أصله التباين أو الاجتماع أن يزداد منه . ألا يرى أن كل متحرك بالطبع يزداد بحركة وكذا يستحق وكذلك كل جوهر بطبعه يعلو وموضعه فوق ، ومن بطبعه يسفل فمحال لهما الاجتماع أبدا ، وكذا هذه العبرة بين من يتحرك من جهة اليمين مع الذي يتحرك إلى اليسار ، وفي ذلك بطلان ما قالوا . وإن كان ذلك بالاختيار فالقول بأن كانا على غير ما عليهما فاسد ؛ لأنه لا دليل على تثبت خلاف لما عليه الشاهد : أن يكون الذي اختياره التباين يقع معه اجتماع ، أو الذي اختياره الاجتماع يقع معه تباين ، فبطل الاختيار . مع فساد قولهم من بقاء كل بجوهر الآخر واحتباسه ، وتحقيق ذلك أن احتباس الخير في الشر شر ، ولما لو كان لهما الاختيار لكان لا يخلو كل واحد منهما من القدرة على منع الآخر عن فعله واختيار ذلك والعلم بكيفية ذلك ، فإن لم يكن بطل معنى الاختيار وتحقق فيهما جميعا العجز والجهل ، وإن كان ذلك كذلك بطل الاختلاف عما كانا عليهما ، لما به يصل كلّ إلى ما يؤذيه ويضره . وبعد ، فإن في تحقيق ذلك تجهيل كل واحد منهما الآخر وتعجيزه ، وفي ذلك إفساد القول ، ولا قوة إلّا باللّه . وإن كان ذلك بآخر ثبت حدث التفرق والتباين ، وهما لا يخلوان منه ، فلزم حدثهما ، وفي ذلك لزوم القول بالتوحيد بما أريد به نفيه ، ولا قوة إلّا باللّه . ومن جهل الأمرين جميعا فقد أقرّ أن لا قول تكلم عليه ، وأنه ممن لا يحتمل عقله البلاغ إلى العلم به ، وإنما طريقه التقليد ، فأشكل عليه لاختلاف ما أدّى إليه ، فإنما تكلم من عنده أن الذي أدّاه إليه حق يظهر عند ذلك الحق ، ثم إذ محال اجتماع الأمرين من حيث بينا من التناقض ، فثبت أن الحق لو كان فيما يقول أهل الدهر فهو في أحد ذينك القولين ، وقد بينا فسادهما جميعا ، وباللّه المعونة . قال محمد بن شبيب « 1 » في ذلك بما كان معناه عندنا إنه إذ لا يخلو القائم على

--> ( 1 ) محمد بن شبيب الزهراني البصري روى عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية والحسن البصري وشهر بن حوشب وعامر الشعبي وعبد الملك بن عمير والعريان بن الهيثم روى عنه حماد بن